أيها الغراب.. كفى رقصاً فوق الجثث
نبيه البرجي
عودة إلى صرخة ميلينا ميركوري، النجمة اليونانية ووزيرة الثقافة، في وجه زعيم حكم الكولونيلات في بلادها جورجيوس بابادوبولوس «أيها الغراب... كفى رقصاً فوق الجثث». بوجه من تصرخ أي ثكلى لبنانية أو فلسطينية ؟ في وجه دونالد ترامب أم في وجه بنيامين نتنياهو؟، لعلها العودة أيضاً إلى قول الشاعر اليوناني نيكوس كازنتزاكي «لم يكن زوربا يتقيأ الدم، بل كان يرقص لايقاظ الأرواح الجميلة». كم هي كثيرة الأرواح القبيحة في هذا العالم!.
الآن تعلو الأصوات ـ الأصوات فقط ـ في وجه السفير الأميركي في «أورشليم» مايك هاكابي، الذي رأى أن من حق اسرائيل السيطرة على الشرق الأوسط. هنا المسألة لا تتعلق بوعد بلفور وإنما بالوعد الإلهي من النيل إلى الفرات، ليتسع من شواطئ البحر الأحمر إلى شواطئ قزوين مروراً بشواطئ البحر الأسود. ولأن ذاكرتنا أقرب ما تكون إلى ذاكرة الهباء، نستعيد تعقيب هاكابي على شعار زعيم الليكود «تغيير الشرق الأوسط»، على أن «يكون ذلك بأبعاد توراتية».
ترامب الذي على خطى برنارد لويس في النظر إلى العرب (كثبان رملية وتذروها الرياح أو تذروها الأزمنة) هاله أن تكون مساحة الدولة العبرية أقل من مساحة ولاية نيوجيرسي التي تحتل المرتبة 47 مساحة بين الولايات الخمسين. وعد ضمناً بتوسيع تلك المساحة بدءاً من الحاق «يهودا» و»السامرة». واذا كان قد تراجع عن ذلك تكتيكياً بفعل «الضجيج العربي»، يبدو جلياً أن الهدف من اصرار الائتلاف على توجيه ضربات قاتلة، وحتى ضربات نووية إلى ايران احداث ذلك الوضع الذي يتيح لها تقويض أي قوة أخرى في المنطقة. بالتالي الاعداد لظهور الماشيح فوق جماجم الأغيار (الغواييم).
في وجه أولئك الآتين من قاع التاريخ ومن قاع الأيديولوجيا، باقون على تبعثرنا القبلي أو الطائفي. الان مفترقات وجودية تحمل العالم السياسي الفرنسي ايمانويل تود على تحذيرنا من تحول الشرق الأوسط، بين ليلة وضحاها، إلى مقبرة. لا داعي للبحث عن هوية الموتى. تصوروا أن يعلن بنيامين نتنياهو العمل على «تشكيل محور جديد في الشرق الأوسط ضد المحورين الشيعي الذي انهار والسني الذي قيد التشكل... على أن يضم الهند ودولاً عربية وافريقية ومتوسطية منها قبرص واليونان». مرة أخرى الخيال الأمبراطوري (أم الخيال الدونكيشوتي؟) لابقاء المنطقة ـ بل والعالم ـ على فوهة البركان. هكذا يفكر الأباطرة عادة. لندع المؤرخ الاسرائيلي أفي شلايم يعلق بالقول «والآن دقت ساعة خروجنا من
العالم.» !
السؤال الساخر يأتي من المفكر الأميركي جون ميرشماير «لم تقل لنا أيها العزيز بي بي ما اذا كان الحلف مع أميركا أم ضد أميركا»، مستغرباً السكوت الأميركي على من «يتسلق جدران البيت الأبيض في وضح النهار». ولكن اذا قامت الدولة اليهودية من النيل إلى الفرات هل تستطيع أثيوبيا الابقاء على سد النهضة وهل تستطيع تركيا الابقاء على سد أتاتورك؟.
عودة إلى مايك هاكابي. هذا ليس بالسفير العادي في اسرائيل. انه سياسي أميركي مؤثر في تيار «لنجعل أميركا العظمى مجدداً» (MAGA ) وهو قس معمداني وحاكم سابق لولاية اركنساس، فضلاً عن كونه مرشحاً رئاسياً عن الحزب الجمهوري في عام 2008، لكن المعروف عنه أنه منظّر «الثنائية الالهية» «أميركا العظمى» و»اسرائيل العظمى». وهذا ما لاقى الهوى لدى القس جون هاغي، رئيس منظمة «مسيحيون من أجل اسرائيل»، الذي وصف الدولة العبرية في موعظته الأخيرة بـ»قرة عين الله !.
اوركسترا اسبارطية لا حدود لهذيانها الايديولوجي، بعدما كنا قد لاحظنا كيف تحولت الايديولوجيات إلى أديان في القرن العشرين، لتنقلب الصورة في القرن الحالي بتحول الأديان إلى أيديولوجيات. وهذا ما سبق وتوقعه صمويل هانتنغتون لدى اطلاق نظريته حول «صدام الحضارات»، دون أن ندري كيف تمكن من الدمج بين الحضارة الكونفوشية والحضارة الاسلامية بالرغم من التباعد الهائل في البنية اللاهوتية لكل منهما، ما جعل بعض النقاد يحملون على «الهرطقة الفلسفية» و»الهرطقة التاريخية» في تلك النظرية.
فوضى أبوكاليبتية في الشرق الأوسط. ما اليوم التالي؟ على السؤال يجيب الحاخام غيورا ردلر «انها الدلائل على قرب ظهور «أمبراطورية يهوه». لا بأس أن يذهب الأغيار إلى الجحيم. أين الأمبراطورية الأميركية في هذه الحال، وبعدما كان المؤرخ الفلسطيني الأميركي رشيد الخالدي قد حذر من الإمبراطورية اليهودية داخل الإمبراطورية الأميركية ما يؤدي إلى انفجارها؟ هذه لعبة الأزمنة على كل حال.
