المعلم وفلسفة التعليم من منظور الغزالي
د. رسول رحمه الشيحاني
ونحن على أعتاب عيد المعلم نرى أن التربية رغم اتساعها وشمول جوانبها، تبقى غير مكتملة في تحقيق أهدافها إذا لم يكن هناك معلم مؤهل بأسس مهنية تجعله قادراً على إيصال الأهداف التربوية المرجوة إلى طلابه بسهولة وفاعلية، دور المعلم يعد محورياً في العملية التربوية، من حيث تنشيطها، وتحقيق التجديد ومواكبة الحداثة، ولا يخفى أن دور المعلم يتفوق حتى على دور المناهج الدراسية والكتب والإدارة التعليمية، إذ إن هذه العناصر مهما بلغت من الجودة، لا يمكنها أن تحقق هدفها الكامل إلا بوجود معلم كفء مُعد إعداداً احترافياً، فالدراسات التربوية أثبتت أن التدريس الفعّال يعتمد في المقام الأول على شخصية المعلم الناجح، الذي لا يقتصر جهده على الشرح والتلقين، بل يمتد نحو أبعاد التربية الأخرى، مما يضعه في قلب فلسفة التعليم، تلك الفلسفة تقوم أساساً على دور المعلم، الذي يتحمل مسؤولية نقل المعرفة والعلم إلى الطلبة، وهي مسؤولية تحمل مكانة سامية في التراث العربي الإسلامي، متأصلة من قيمة التعليم في الإسلام.
النصوص الشرعية أكدت على عظمة المعلمين ومكانتهم، كما في قوله تعالى «هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» سورة الزمر، آية 9 وقوله سبحانه «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات» سورة المجادلة، آية 1 فمهنة التعليم، التي أوكلت إلى المعلمين، باعتبارها امتداداً لمهمة الأنبياء الذين حملوا مسؤولية تعليم الناس أمور دينهم ودنياهم، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم: «إنما بعثت معلماً”، مما
يُبرز أهمية الدور الذي يقوم به المعلم.
تناول الغزالي (ت 505 :هـ)، هذا الموضوع في كتابه «إحياء علوم الدين» ضمن باب العلم الذي تألف من سبعة أبواب، في الباب الأول، تحدث عن فضل العلم والتعليم والتعلم، ووضح وظائف المعلم التي تضمنت: الشفقة على المتعلمين كما لو كانوا أبناءه، أن يكون قدوة حسنة لهم، مسترشداً برسول الله صلى الله عليه واله وسلم، عدم طلب الأجر أو العوض عن واجب التعليم إلا ابتغاء مرضاة الله تعالى، تقديم النصيحة وعدم التهاون في إبلاغ الطالب بما ينفعه، تقويم أخلاق الطالب بأساليب غير مباشرة دون إضرار نفسي أو تصريح جارح، كما شدد الغزالي على ضرورة مراعاة قدرات الطالب العقلية وعدم تحميله ما يزيد عن فهمه، بأن يكون المعلم قدوة عملية يجسد علمه في سلوكه وأفعاله، وألا ينتقص من جهود القائمين على تعليم العلوم الأخرى، وأن يمتاز بثبات واتزان أثناء عمله بعيداً عن اختلال الوقار أو كثرة الكلام غير المفيد، كذلك دعا إلى وجود حدود تليق بالاحترام بينه وبين الطلاب دون إفراط أو رفع كامل للتكليف، من هنا يتضح أن العملية التربوية تفقد قيمتها إذا افتقرت إلى معلم كفء قادر على حمل أعباء مهنته بكفاءة واحتراف، فحتى أفضل المناهج تربوياً وتقنياً تصبح بلا جدوى إذا تولّاها معلم غير مؤهل، في حين أن حتى المناهج التقليدية قد تُحدث فائدة عظيمة إذا قام بتدريسها معلم يمتلك المؤهلات والكفاءة المطلوبة.
