الصياد آخر الأخبار
مباشر
wb_sunny

خبر عاجل

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدولة الحديثة

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدولة الحديثة

 د. خالد عليوي العرداوي

يرتكز هذا المقال على سؤال مركزي مفاده: كيف يمكن لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أداء دورها الإصلاحي في ظل الدولة الحديثة؟ والإجابة عن هذا السؤال ترتبط ارتباطا وثيقا بمدى تكيف القواعد والأحكام الدينية مع تحولات الدولة والمجتمع، خصوصا بعد الانتقال من دولة الحاكم بأمره إلى دولة القانون والمؤسسات.

يعد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من القواعد الإسلامية الأساسية، التي تجسد المسؤولية الأخلاقية للمسلم تجاه محيطه الاجتماعي. لقد ورد التأكيد على هذه القاعدة في نصوص القرآن والسنة النبوية الشريفة، منها قوله تعالى: «كُنتم خيرَ أُمّةٍ أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله...» (آل عمران:110)، وقوله تعالى: «وَلْتَكُن منكم أُمّةٌ يَدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر...» (آل عمران: 104). فضلا على قول الرسول محمد صلى الله عليه وآله: «من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الايمان».

والعمل بمقتضى هذه القاعدة حسب الفقه الإسلامي له شروط محددة، هي: العلم، الاستطاعة، المصلحة، وان لا يترتب على العمل بها مفسدة أكبر، استنادا إلى القاعدة الأصولية المعروفة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح. وقد استقر رأي معظم الفقه التقليدي الاسلامي على ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر هو فرض كفاية، يسقط عن بقية الناس إذا قام به فرد منهم أو بعضهم. 

وهنا، علينا التفريق بين قضايا مختلفة للنظر إلى هذا الموضوع الحساس، حتى لا يؤخذ المطلق على اطلاقه، ولتكييفه بما يتلاءم وحاجات مجتمعاتنا المعاصرة، وكما يلي:

القضية الأولى- إذا كان المنكر فعل ذاتي يقوم به فرد أو مجموعة من الافراد داخل المجتمع، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون مجالًا فعّالًا للعمل الأخلاقي الفردي والجماعي، بصرف النظر عن طبيعة الدولة، كما في حالة اصلاح العلاقات الاسرية أو محاربة الاحتكار التجاري أو محاورة أصحاب الأفكار المتطرفة لإرشادهم إلى الصواب أو ارشاد الجاهل أو تنبيه الغافل، فهذه الحالات وغيرها، يمكن ان تطبق عليها شروط الامر بالمعروف والنهي عن المنكر أعلاه دون قلق مع تحقيق النتائج الإيجابية المرجوة منها. 

القضية الثانية- إذا كان المنكر فعل تقوم به دولة الحاكم بأمره، تلك الدولة التي سادت في العصور الوسطى، حيث كانت السلطة لا تقيم وزنا لحقوق الناس وحرياتهم، ولا تتردد من فعل كل شيء لقمع المعارضة وتشويه مقاصدها. وقد دفع إرهاب السلطة إلى تذرع كثير من الناس بكفاية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، للتخلص من وخز الضمير الاخلاقي وعدم تحمل المسؤولية الاجتماعية في الوقوف المكلف إلى جانب المعارضة الإصلاحية. ودفع غيرهم إلى إيجاد نوع من الفقه لا يتناسب مع المقاصد الاصلاحية للشرع الإسلامي، كفقه المرجئة، وفقه الخضوع ووجوب الطاعة لمن اشتدت وطأته من الحكام. فيما دفع آخرين إلى تأويلات متطرفة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلت إلى حد تكفير مجتمعات بكاملها، واستباحة دماء الناس واموالهم واعراضهم، كما فعلت ولا زالت بعض التنظيمات الجهادية المتطرفة. 

ومثل هذه الدولة هي ظاهرة تاريخية في طريقها إلى الزوال، وليس من المفيد للفقه الإبقاء على فهمه التقليدي المستند لها في التعامل مع قاعدة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، كونه يطيل بقاءها من جانب، ويشل الفقه عن القيام بدوره الإيجابي في تفعيل المسؤولية الأخلاقية للفرد والجماعة في البناء الصحيح للدولة والمجتمع.

القضية الثالثة- عندما تكون الدولة حديثة، أي دولة القانون والمؤسسات، حيث يرتبط الافراد بعضهم ببعض برابطة المواطنة القانونية، التي تكون فوق الروابط والانتماءات الفئوية والدينية والطائفية والعرقية وغيرها. وفي مثل هذه الدولة يصبح الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية أخلاقية يحميها القانون، ويقوم بها الافراد والجماعات فيما بينهم دون الاخلال بقاعدة الحوار البناء والتعايش السلمي. 

اما في ما يتعلق بقضايا الشأن العام المرتبطة بقرارات السلطة، وطريقة قيامها بعملها، ومحاسبة المسؤولين الحكوميين الفاسدين، وعزلهم عند الضرورة، فهي بحاجة إلى فهم فقهي جديد لقاعدة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبشروط مختلفة عما تعارف عليه الفقه التقليدي لأسباب عدة، منها: أن تعقد مهام ووظائف الدولة الحديثة، وسبل الحفاظ على المصالح العليا للدولة والمجتمع لم تعد امرا يعرفه الجميع، فمواقف الناس من السلطة تحددها نتائج افعالها، ولديهم عند الضرورة أدوات قانونية لمواجهتها، كالاحتجاج السلمي والاضراب العام وغيرها، ولكنهم غالبا عاطفيون في مواقفهم، مما قد يترتب على ردود افعالهم انحدارا في الأوضاع يهدد الاستقرار الأمني والسياسي، وضياع مصالح الدولة والمجتمع. وهذا يعني ان اصلاح السلطة في دولة حديثة بحاجة إلى أدوات دستورية وتنظيمية جيدة تجعل أي تحرك شعبي ضد السلطة لا يخرج عن السيطرة، وفي نفس الوقت يحقق أهدافه ومقاصده الاصلاحية. 

كذلك، فان مسؤولية اصلاح الشأن العام، لم تعد فرض كفاية يسقط عن عامة المجتمع بقيام افراد منهم بهذه المسؤولية، بل هي مسؤولية عامة غير قابلة للتنازل، ويتحملها الجميع على قدم المساواة، وان اعتبارها مسؤولية فردية، وفقا للفقه التقليدي، لا يتناسب مع دور الافراد والمجتمع في الدولة الحديثة، بل ان هذا الاتجاه الفقهي سيسعد السلطات الفاسدة، ويوفر لأفعالها الشائنة غطاء فقهيا من جانب، فيما يشل ارادة الافراد والمجتمع، ويبرر تقاعسهم عن القيام بمسؤوليتهم الأخلاقية، من جانب آخر. 

كما لا ننسى أن مهمة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدولة الحديثة، هي -أيضا- مسؤولية دستورية تقوم بها مؤسسات محددة في الدولة، كالمجالس التشريعية والمحاكم والادعاء العام ومؤسسات النزاهة ومكافحة الجريمة والمؤسسات الإعلامي ومنظمات المجتمع المدني، مما يتطلب وجود اتجاه فقهي صارم وصريح لتشجيع هذه المؤسسات على القيام بدورها تحت قاعدة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، واخضاعها للمحاسبة القانونية والاجتماعية عند تقاعسها، واعتبار أي تقاعس من قبلها مفسدة كبيرة، وفعل محظور لا يجلب المصلحة للدولة والمجتمع.

 

Tags

المتابعة عبر البريد

اشترك في القائمة البريدية الخاصة بنا للتوصل بكل الاخبار الحصرية