تزييف الوعي والبحث عن الحقيقة
محمد شريف أبو ميسم
كثيراً ما يتخلى الأفراد عن تفكيرهم النقدي المستقل لصالح آراء ومشاعر الجماعة؛ لأسباب نفسية كثيرة، تتقدمها رغبة الفرد في تجنب العزلة وحاجته الفطرية للانتماء، والرغبة في الاستقواء وارتكاب أعمال لا يستطيع أن يفعلها بمفرده، وصولاً إلى حالة قد يتبنى فيها الفرد “دون وعي” أفكاراً ومعتقدات تتعارض مع مصالحه الحقيقية. وهذا ما يطلق عليه بـ “زيف الوعي” الذي عادة ما يتجلى حين تنجح الفئات التي تهيمن على أدوات التأثير في تحشيد وتسويق ما يخدم مصالحها في ساحات العقل الجماهيري، بوصفه مطلباً يخدم المصلحة العامة. ويحدث ذلك عبر وسائل تضليل وأدوات متعددة يتم من خلالها توجيه العقل الجماهيري ومناقلته بعد تمرير المفاهيم المغلوطة؛ فيبدو للكثير من الناس أن ما يتم تداوله هو الصحيح بعد صرف الأنظار عن الحقيقة. فيكون الفرد “مثلاً” -في ظل ما يُسوَّق من شعارات تدعي الدفاع عنه- في حماسة واندفاع للمطالبة بما يخدم فئة ما على حساب المصلحة العامة، مدفوعاً بمتعة الانتماء والقوة وتجنب الإحساس بالمسؤولية الفردية، وأحياناً بدوافع مشاعر الكراهية أو رغبة بالثأر من أمر ما. وتكررت مشاهدات تزييف الوعي والتحشيد الإعلامي على مدار عمر المرحلة الانتقالية التي شهدتها البلاد، في ظل التجاذبات السياسية التي أسس لها الاحتلال الأمريكي في العام 2003 على يد الحاكم المدني “بول بريمر”. فمنذ أن أصدر “بريمر” هذا “أوامره المئة” خلال فترة إدارته، والوعي الجماهيري في حالة من التخبط؛ إذ لم تساهم هذه الأوامر -بوصفها قوانين- في صنع التناقضات والفوضى وحسب، بل أسست لحالات من غيبوبة الوعي جراء التناقضات والإرباكات التي نجمت عنها، بما يخدم تطبيقات “نظرية الصدمة” التي جاء بها الاقتصادي الأمريكي “ميلتون فريدمان”. (حيث يتعرض المجتمع إلى الفوضى وتزييف الوعي وهو بصدد المرور بمرحلة التكيف نحو اقتصاد السوق، فتتشكل علاقات السوق والعلاقات المؤسسية وفق أشكال مشوهة تتسبب في إرباك الوعي الجماهيري، فيكون القبول بالحلول الخارجية الجاهزة -التي كان يرفضها المجتمع من قبل- مدعاة لحصول التغيير وفق مقاسات من صنع الفوضى).ومن بين هذه القوانين: قانون تحرير التجارة الخارجية رقم 12 لسنة 2004، الذي مهد لفوضى السوق والإغراق السلعي عبر ما سمي بـ “الاستيراد المفتوح”؛ إذ أطاح هذا القانون بإمكانية قيام قطاعات إنتاجية يمكن أن تلبي الحد الأدنى من الطلب المحلي وتعالج مشكلة الأيدي العاملة العاطلة عن العمل، الأمر الذي ساهم في استنزاف العملة الصعبة التي تتدفق يومياً لتمويل التجارة الخارجية، وكرّس اعتماد البلاد على استيراد السلع الرخيصة جراء ارتفاع كلف إنتاج مثيلاتها المحلية. وبقي الحال على ما هو عليه رغم تشريع قوانين التعريفة الجمركية وحماية المنتج المحلي وحماية المستهلك في العام 2010؛ إذ بقيت هذه القوانين معطلة بسبب التجاذبات السياسية والإرباكات التي تجذرت بفعل أوامر “بريمر” ذاك. وحين اقتضت الجدية أن يتم تطبيق قانون التعريفة الجمركية عبر نظام “الأسيكودا” الإلكتروني، صار لزاماً على التجار دفع الرسوم الجمركية والضرائب مسبقاً قبل دخول البضائع، بما يحقق التطابق بين قيمة البضاعة والتحويل المالي، وبالتالي وضع حد للتهرب الضريبي (الذي كان سبباً في عجز الإيرادات غير النفطية) ولحالات الفساد في التخليص الجمركي (التي كانت سبباً في استنزاف احتياطيات البنك المركزي بجانب تهريب العملة بدواعي تمويل التجارة الخارجية). هنا أصبحت بعض الفئات التجارية غير الملتزمة بالتعليمات الأصولية عاجزة عن تحقيق المطابقة الرقمية مع هذا النظام، فلجأت إلى الضجيج بهدف الضغط على الحكومة أملاً في التراجع عن قرارها. وعندما فشلت في ذلك، صعدت من محاولاتها عبر “تزييف الوعي” وتسويق فكرة أن الإجراءات الحكومية تستهدف الفقراء والعاملين في المهن الخدمية التجارية، وسرعان ما تعاطف معها بعض البسطاء من الناس بدعوى الدفاع عن حقوقهم. بيد أن الأفكار المشوهة لا تصمد أمام الحقيقة؛ لذلك فشلت أدوات التضليل أمام الإعلام الوطني وهو بصدد البحث عن الحقيقة. ولكن يبقى السؤال قائماً: إلى متى ستستمر حالات تزييف الوعي من قبل الجهات التي تمتلك أدوات التأثير؟
