ملف الذاكرة يُبقي الجزائر وفرنسا بين لا هدنة دائمة ولا قطيعة كاملة
وكالات / الصياد الجديد
أعلن الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون استعداد بلاده لتقديم وثائق وأدلة مادية وشهادات تاريخية أمام الهيئات القانونية التابعة للاتحاد الإفريقي لإثبات ما وصفه بـ»بشاعة جرائم» الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وذلك في كلمة أُلقيت نيابة عنه خلال القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد المنعقدة في أديس أبابا.
وجاء الموقف الجزائري في سياق دراسة قانونية ناقشت توصيف الاستعمار بوصفه جريمة ضد الإنسانية، واعتبار بعض ممارساته أعمال إبادة جماعية بحق شعوب القارة.
وأكد تبون أن بلاده، استناداً إلى تجربة تاريخية امتدت أكثر من 132 عاماً من الاستعمار الاستيطاني، مستعدة لوضع أرشيفها ووثائقها تحت تصرف الهيئات الإفريقية المختصة، مشيرا إلى أن تلك المعطيات تكشف حجم الانتهاكات التي ارتُكبت لقمع مقاومة الجزائريين، بما في ذلك استخدام وسائل محظورة دولياً. كما ذكّر بتصويت البرلمان الجزائري بالإجماع نهاية عام 2025 على قانون يجرّم الاستعمار، معتبراً الخطوة جزءاً من حراك قاري لإعادة قراءة التاريخ وفق قواعد القانون الدولي.
وتعكس تصريحات الرئيس الجزائري تصعيدا خطابياً محسوباً تجاه فرنسا، تأتي رغم محاولات التهدئة المتقطعة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، فمنذ فترة، تتأرجح العلاقات الثنائية بين فترات تقارب دبلوماسي قصير يعقبه توتر سياسي وإعلامي، غالباً بسبب ملفات الذاكرة التاريخية والهجرة والتعاون الأمني. ويبدو أن طرح ملف جرائم الاستعمار أمام أطر قانونية إفريقية يمنح الجزائر ورقة ضغط معنوية وقانونية في مواجهة باريس، خاصة أنه ينقل النقاش من المستوى الثنائي إلى فضاء قاري ودولي أوسع.
ويشير تحليل دلالات الخطاب الجزائري إلى أن السلطة تسعى إلى تثبيت سردية تاريخية رسمية تجعل من ملف الذاكرة أساساً لأي تطبيع كامل للعلاقات، فالدعوة إلى اعتراف دولي صريح بالطبيعة الإجرامية للاستعمار لا تُفهم فقط كرسالة تاريخية، بل أيضاً كأداة سياسية لتعزيز الموقف التفاوضي الجزائري في ملفات أخرى، سواء اقتصادية أو أمنية. كما أن توقيت التصريحات، المتزامن مع حراك إفريقي متصاعد لمراجعة إرث الاستعمار، يمنح الجزائر غطاءً جماعياً يقلل من احتمال عزلتها دبلوماسياً.
ومن المرجح أن تنظر باريس إلى هذه الخطوة باعتبارها تصعيداً رمزياً قد يعقّد مسار إعادة بناء الثقة، ففرنسا حاولت خلال السنوات الماضية تبني مقاربة تقوم على الاعتراف الجزئي بالماضي دون الوصول إلى مستوى الاعتذار الرسمي أو الإقرار القانوني بالجرائم، وهو ما تعتبره الجزائر غير كافٍ.
لذلك، فإن إعادة فتح هذا الملف في المحافل الدولية قد تعيد العلاقات إلى مربع التوتر، خاصة إذا تطورت المبادرة الإفريقية إلى مطالب قانونية أو تعويضية.
ولا تزال العلاقات الجزائرية الفرنسية أسيرة الذاكرة التاريخية الثقيلة، فكلما بدت بوادر انفراج، أعاد ملف الاستعمار طرح نفسه بقوة ليكشف هشاشة التفاهمات القائمة، فتصريحات تبون الأخيرة توحي بأن الجزائر ماضية في تدويل هذا الملف، وهو خيار قد يعزز حضورها الدبلوماسي في إفريقيا، لكنه في الوقت ذاته ينذر بإبقاء العلاقة مع فرنسا في حالة مد وجزر، حيث لا هدنة دائمة ولا قطيعة كاملة.
.jpg)