الصياد آخر الأخبار
مباشر
wb_sunny

خبر عاجل

كيف نصنع اقتصادًا عربيًا من عقل الطالب؟

كيف نصنع اقتصادًا عربيًا من عقل الطالب؟


 أسامة أبو شعير 

في عام 2005، عاد شاب من مدينة عراقية الى قريته يحمل هاتف “نوكيا”. لم تكن هناك تغطية كاملة، لكن قرب خزان الماء أو على سطح منزل، كانت الإشارة تومض. اقترب مراهق وسأل بدهشة: “هل يمكنك التحدث من هنا مع الخارج؟” فأجابه: “إذا حالفك الحظ، نعم”.

تلك اللحظة لم تكن مجرد دهشة تقنية، بل إعلان عن عالم جديد بدأ يتشكل، تقوده التكنولوجيا وتعيد صياغة علاقتنا بالعالم.

لكن بينما تقدّمت الدول بصمت نحو هذا المستقبل، بقيت كثير من الدول العربية أسيرة نموذج تعليم جامد، يزرع عقلية التلقين بدل الاكتشاف. في العراق، 74% من الخريجين لا يجدون عملاً في تخصصهم خلال عامين. في تونس والمغرب، بطالة الجامعيين تتجاوز 30%. تقرير “المنتدى الاقتصادي العالمي” لعام 2025 حذّر من أن نصف العاملين عالميًا يحتاجون لإعادة تأهيل مهاراتهم. التحدي واضح، لكن الرد العربي لا يزال في كثير من الأحيان محصورًا في المؤتمرات والخطابات.

رغم التحديات، هناك مبادرات تستحق الإشادة. في قطر، أُطلق صندوق استثماري بمليار دولار لدعم الشركات الناشئة، بمشاركة 30 جهة من بينها “قطر القابضة”. ما يميّز هذه التجربة هو تحوّل الرؤية من دعم المستهلكين الى تمكين المبتكرين. معدّل نمو قطاع ريادة الأعمال وصل 135% خلال عام واحد.

في الإمارات، امتزج التعليم بالتقنية. أطلقت الشارقة “قادة العلوم”، وهي منصة تعتمد الذكاء الاصطناعي لقياس الأداء الأسبوعي في الرياضيات والعلوم. كما نظّمت “غرف دبي” فعالية “بناء إرث دائم” لمناقشة مستقبل الأعمال العائلية ودور التعليم في ضمان انتقالها المستدام بين الأجيال. حتى العراق، رغم صورته المأزومة، بدأ يشهد تغيّراً. 

قمة الأعمال العراقية 2025 كانت لحظة فارقة بتوقيع اتفاقات مع الاتحاد الألماني وشركات دولية، واعتماد خطاب جديد يرى أن الدولة يجب أن تكون مُمكنة لا مُشغّلة. جرى التركيز على دعم المشاريع الصغيرة وتسهيل التمويل وتعديل البنية القانونية، بهدف تحويل الخريجين من طالبي وظائف الى صانعي فرص. التحوّل لا يكفي أن يكون اقتصاديًا فقط، بل يجب أن يبدأ من إعادة تعريف التعليم. 

في دبي، استضاف Italiacamp مجموعة من طلاب الهند ضمن برنامج تعليمي مكثف حول الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال. خلال أيام، طوّر الطلاب نماذج أعمال وعرضوا دراسات حالة. هذه التجربة تجسّد ما نفتقده: تعليم يُخرج قائدًا لا تابعًا، ويزرع أدوات الابتكار لا مهارات الحفظ.

ولكي لا تبقى المبادرات رمزية، هناك حاجة لإصلاح جذري يبدأ من الجامعة والمدرسة:

أولا ـ تحويل السنة الأخيرة في الجامعة الى مشروع عملي قابل للتطبيق. ثانيا ـ إنشاء صناديق تمويل مصغّرة داخل الجامعات، بالشراكة مع البنوك.

ثالثا ـ إلزام الجهات الحكومية بفتح مسارات تدريب حقيقية لطلبة الجامعات.

رابعا ـ إدخال وحدات تعليمية في ريادة الأعمال والبرمجة والتفكير النقدي بدءًا من المرحلة الإعدادية.

والتحول بحاجة الى أدوات قياس، منها: نسبة توظيف الخريجين خلال السنة الأولى. وعدد الخريجين الذين أطلقوا مشاريع خاصة. وعدد ساعات التدريب العملي للطلاب.، إضافة الى مساهمة المشاريع الناشئة في الناتج المحلي، وحجم الشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص.

يحذّر التربوي البريطاني Russell Cailey من أن بعض نماذج التعليم المستقبلية، رغم حداثتها، قد تصبح قوالب جامدة إن تعاملنا معها كحقائق نهائية. ويدعو الى ثقافة “اللايقين المنتج”، حيث يصبح الشك أداة للتجدد، لا للتردد. وهذه دعوة مهمة للعالم العربي كي لا ينسخ التجارب دون فهم سياقاتها.

الدول التي تقود اليوم هي التي اعتبرت الصف معملًا لا قاعة انتظار للوظيفة. التجربة الماليزية، التي حوّلت السنة الأخيرة الى عام تطبيقي، خفّضت البطالة ورفعت الجاهزية المهنية. فالفجوة بين التعليم وسوق العمل هي ما يُبقي الإنتاجية منخفضة في عالمنا العربي.

لقد آن الأوان للانتقال من نظام يُعدّ خريجًا لوظيفة، الى نظام يُعدّ عقلاً لمشروع. من عقلية “أريد وظيفة حكومية”، الى عقلية “كيف أصنع قيمة مضافة؟”. اقتصاد الغد لن يُبنى على ميزانيات الدولة، بل على عقول تعلّمت كيف تنتج وتبتكر وتُصدّر.

السؤال لم يعد: متى نلحق بالركب؟ بل: هل سنقوده؟، والجواب لا تجده في مؤتمر، بل في طالب يرى هاتفًا لأول مرة، فيحلم أن يصنع ما هو أذكى. في فتاة تخترع تطبيقًا تعليميًا من قلب المخيم. في جامعة تنتقل من التلقين الى التجريب. وفي دولة تفهم أن النهضة تبدأ من عقل الطالب، لا من بيان الوزارة.

نحن لا نحتاج الى معجزة. نحتاج فقط أن نؤمن أن كل فكرة، إن وُلدت في بيئة صحيحة، قادرة على أن تغيّر مصير أمة.

Tags

المتابعة عبر البريد

اشترك في القائمة البريدية الخاصة بنا للتوصل بكل الاخبار الحصرية