”ثورة” الذكاء الاصطناعي،
عادل الجبوري
في خضم الانشغال العالمي الواسع والمحموم بـ”ثورة” الذكاء الاصطناعي، وما يمكن ان تفرزه من تحديات وتوفره من فرص، يبدو من الطبيعي والمنطقي جدا، ألّا يكون مجتمعنا، ومنظوماتنا السياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية والدينية بعيدة ومنعزلة ومنكفئة عن ذلك الانشغال، لان التحديات أيا كانت طبيعتها لا بد ان تمتد إلى الجميع، لا سيما الدول والمجتمعات الهشة، وكذلك فإن الفرص لا بد أن تستثمر بأقصى قدر ممكن ومتاح، من أجل مواكبة كل التحولات والمتغيرات والتطورات. قد تمثل “ثورة” الذكاء الاصطناعي محطة مفصلية ونقطة تحول مهمة في مجمل مسيرة البشرية، كما كانت الثورة الصناعية بين منتصف القرن الثامن عشر ومنتصف القرن التاسع عشر، وكما كانت-وما زالت- ثورة الانترنت، أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، أو أكثر من ذلك، ربما ستحدث انقلابا عالميا هائلا في مجمل العلوم والمفاهيم والمبادئ والقيم، مثلما تشير إلى ذلك دراسة معمقة صدرت قبل عدة شهور، تحت عنوان (AI 2027 )، أسهم في انجازها عدد من كبار الباحثين المتخصصين في الذكاء الاصطناعي، إلى “ان المستقبل القريب يحمل وعودًا هائلة بإنجازات قد تحل مشاكل كبرى في الطب والاقتصاد والعلوم، لكنه في الوقت نفسه ينذر بمخاطر وجودية إن لم تُدَر هذه الثورة بحذر ومسؤولية. فبين التفاؤل بإنجازات قد تغير حياة الإنسان نحو الأفضل، والقلق من سيناريوهات قد تخرج عن السيطرة، يقف العالم اليوم على أعتاب منعطف تأريخي غير مسبوق”.ومن اجل مواكبة تلك “الثورة”، وعدم التخلف عن مجمل تفاعلاتها وانعكاساتها وتداعياتها، حسنا فعلت الجهات الحكومية المعنية بالمجال الاكاديمي، وتحديدا وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، باستحداث كليات واقسام متخصصة في الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) في عدد من الجامعات العراقية. ومع أهمية هذه الخطوة إلا انها تحتاج إلى تدعيمها وتعزيزها بخطوات أخرى، حتى تكون النتائج والمخرجات إيجابية ومثمرة ومجدية. اذ ينبغي التركيز على الجانب النوعي وليس الكمي، فلا فائدة من تخريج اعداد كبيرة من الذين يحملون الشهادات الاكاديمية بهذا التخصص، دون ان يمتلكوا المعرفة المتميزة ليشغلوا حيزا فاعلا في هذا الميدان العلمي المهم. ولا شك ان ذلك لا يمكن ان يتحقق دون توفير بيئة علمية مناسبة من حيث المناهج، والكوادر والملاكات التدريسية الكفوءة، والتدريب العملي الحقيقي، والتقييمات العلمية التي تتجاوز الامتحانات والاختبارات التقليدية لمواد ومناهج اكاديمية جافة، والانفتاح على التجارب والخبرات العالمية الرائدة. وينبغي العمل بمبدأ أو حقيقة ان الاستثمار في العقول أكثر جدوى وفائدة من الاستثمار في الثروات والأموال، ومثلما يقول بعض المختصين، “أصبح صاحب المال بحاجة إلى العقل البشري الإبداعي، الذي غدا أهمّ من المال نفسه، وهو الذي يتحكّم بالمال لا العكس”. ولعل مخرجات الكليات والاقسام المتخصصة في الذكاء الاصطناعي من الطلبة الخريجين، هي التي يفترض ان ترفد مختلف المؤسسات بالعقول القادرة إلى الإنجاز والابداع، وهنا يكمن استثمار وتوظيف الفرص بالشكل الأمثل والانجع، في ميادين الاقتصاد المختلفة، والقطاعات الخدمية المتنوعة، كالتعليم والطب والإدارة، فضلا عن مواجهة التحديات الناتجة عن “الثورة”، وهي تحديات كبيرة وخطيرة، قيميا واخلاقيا ودينيا ومجتمعيا. فالصراع اليوم بين القوى الدولية الكبرى، باقتصادياتها الضخمة وامكانياتها العلمية، وقدراتها البشرية، امتد إلى فضاء الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، كما هو الحاصل بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، وطبيعي ان مثل ذلك الصراع ينطوي على ابعاد سياسية تتداخل مع الأهداف والطموحات الاقتصادية والأمنية والعسكرية والثقافية. ولان عالم اليوم يقوم على الاصطفافات والتحالفات والانقسامات الحادة، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، فإنه يجب الاخذ بنظر الاعتبار، الانكشاف الكبير الذي سوف تواجهه وتتعرض له الدول والحكومات والمجتمعات الضعيفة وغير المحصنة بالقدر الكافي، والتي بأمكانها تقليل المخاطر والتحديات بالقدر الذي تتحول فيه من ميادين الاستهلاك السلبي في المال والوقت لما ينتجه الاخر من سلع وبضائع وأفكار، إلى ميادين الإنتاج والتوظيف العلمي والعملي الجيد والمدروس لكل عناصر ومقومات النجاح. هذا من جانب، ومن جانب آخر، ربما لا تكون التحديات الداخلية اقل خطرا ووطأة من التحديات الخارجية، ان لم يكن العكس، فالاستخدام السيء للذكاء الاصطناعي، من شأنه ان يفضي إلى مشاكل وازمات وفتن سياسية كبيرة وخطيرة، وهذا ما أخذت تظهر وتلوح بوادره وملامحه الأولى في العراق، وربما في بلدان أخرى. وبشكل أو بآخر، قد يتداخل التسقيط والتشهير السياسي عبر أدوات الذكاء الاصطناعي مع التسقيط والتشهير الاجتماعي، والإساءة إلى رموز اجتماعية ودينية صالحة في مقابل الترويج والتلميع والتسويق لنماذج طالحة، بقدر اكبر وأوسع مما يحصل في فضاء التواصل الاجتماعي وشبكة الانترنت على وجه العموم، ناهيك عن الفساد المالي والاقتصادي، وتكريس ثقافة الكسل والتكاسل وعدم بذل الجهد المطلوب لاكتساب العلوم والمعارف وزيادة الوعي الثقافي. ولخلق معادلات متوازنة، وتعزيز فرص الاستفادة والتوظيف الإيجابي للذكاء الاصطناعي في المجالات التي تخدم الدولة والمجتمع، من المهم جدا وضع ضوابط وأطر واليات وسياقات، تحد من الفوضى، وتعالج السلبيات، وتحول دون سوء الاستخدام بأقصى قدر ممكن. وثمة نقطة أخرى وأخيرة، من المهم الإشارة اليها ولو سريعا، وهي ان البناءات والاسس السليمة في ميدان الذكاء الاصطناعي، والفضاء الرقمي، لا بد أن تفضي إلى استثمار الفرص بأعلى المستويات وأوسع المساحات، في ذات الوقت الذي تساهم إلى حد كبير بمواجهة المخاطر والتغلب على التحديات.
