الاحتجاجات الإيرانيَّة بين براغماتيَّة البازار وطموحات الشارع
محمد علي الحيدري
شهدت إيران في أواخر ديسمبر 2025 وبدايات يناير 2026 موجة احتجاجات اتخذت طابعًا لافتًا من حيث نقطة انطلاقها واتساع رقعتها الاجتماعية. فخروج الشرارة الأولى من قلب البازار، بوصفه مؤسسة اقتصادية تاريخية ذات وزن اجتماعي وسياسي، قبل انتقال الاحتجاجات إلى شرائح طلابية وعمالية ومهنية في عشرات المدن، يفرض قراءة تحليلية تتجاوز السرد الحدثي إلى تفكيك التباينات البنيوية داخل الحركة الاحتجاجية نفسها، وفهم أثرها على ديناميكيتها ومسارها المحتمل. من حيث الدوافع الظاهرة، تبدو الأزمة الاقتصادية القاسم المشترك بين مختلف المشاركين. الانهيار المتسارع لقيمة الريال، وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات خانقة، وتآكل القدرة الشرائية، كلها عوامل دفعت قطاعات واسعة إلى التعبير عن غضبها. غير أن وحدة المعاناة لم تُنتج وحدة في الرؤية ولا في سقف المطالب، بل كشفت عن اختلافات عميقة في مقاربة الأزمة وأسبابها وسبل معالجتها. يمثل تجار البازار، تاريخيًا، شريحة محافظة تميل إلى البراغماتية وتفضّل الاستقرار على المغامرة السياسية. احتجاجهم الأخير جاء أقرب إلى «إضراب إنذاري» منه إلى تمرد مفتوح، مركزًا على اختلالات ملموسة تمس صلب النشاط التجاري - تقلبات سعر الصرف، غياب القدرة على التخطيط، وتآكل هامش الربح. شعاراتهم، بما تحمله من بعد اقتصادي-سيادي، تعكس مطالبة بإعادة ترتيب الأولويات المالية للدولة، لا بإعادة تعريف النظام السياسي. في هذا السياق، يظهر البازار كفاعل يسعى إلى تصحيح المسار داخل الإطار القائم، انطلاقًا من قناعة مفادها بأن أي انفلات سياسي واسع قد يضاعف الخسائر بدل أن يخففها. في المقابل، تنطلق الشرائح الأخرى - من طلاب وعمال ومعلمين وسائقي شاحنات - من تصور أكثر شمولية للأزمة. بالنسبة لهؤلاء، لا تُختزل المعاناة في سعر الصرف أو التضخم، بل تُفهم بوصفها نتيجة لتراكمات سياسية واجتماعية أطول أمدًا. لذلك، تتقاطع المطالب الاقتصادية لديهم مع شعارات تتعلق بالحريات، والعدالة الاجتماعية، والسياسات الخارجية، وحتى بشرعية البنية السياسية نفسها. هذا الربط بين الاقتصادي والسياسي يمنح الاحتجاج بعدًا أيديولوجيًا أوسع، لكنه في الوقت ذاته يرفع منسوب التوتر ويضع الحركة أمام أسئلة أكبر من قدرتها التنظيمية الراهنة. جوهر التباين، إذن، لا يكمن في طبيعة الاحتجاج بحد ذاته، بل في تعريف غايته النهائية. البازار يتحرك بمنطق الخسارة والربح، ويبحث عن حلول سريعة وقابلة للتنفيذ، فيما ترى الشرائح الأخرى أن أي حل اقتصادي معزول عن إصلاح سياسي أوسع سيبقى هشًا ومؤقتًا. هذا الاختلاف يعكس الانقسام الاجتماعي بين طبقة تجارية تقليدية، تشكلت مصالحها ضمن الدولة القائمة، وجيل أصغر وأكثر احتكاكًا بالعالم، يرى أن الأزمة بنيوية لا ظرفية.نقطة الافتراق الحاسمة قد تظهر عند لحظة التصعيد السياسي الواضح. فكلما ارتفع سقف الشعارات باتجاه تغييرات جذرية، زادت احتمالات تراجع البازار أو عودته إلى الحياد، خشية أن تتحول الاحتجاجات إلى عامل عدم استقرار طويل الأمد. في المقابل، قد تعتبر الشرائح الأخرى أي تهدئة جزئية أو استجابة تقنية - مثل تغييرات في إدارة البنك المركزي أو وعود بالحوار - التفافًا على جوهر المشكلة. هنا تلعب الاستجابات الرسمية دورًا مزدوجًا - فهي قد تُستخدم لاحتواء البازار، لكنها في الوقت ذاته قد تعمّق فجوة الثقة مع الشارع الأكثر راديكالية. تأثير هذا التباين على مستقبل الحركة الاحتجاجية يظل مفتوحًا على أكثر من سيناريو. فمن جهة، قد يؤدي غياب الرؤية الموحدة إلى تفكك الزخم وتراجع القدرة على الضغط المستدام. ومن جهة أخرى، يمكن لهذا التنوع أن يمنح الاحتجاجات اتساعًا اجتماعيًا يصعب تجاهله، إذا ما جرى الحفاظ على حد أدنى من القواسم المشتركة، وفي مقدمتها المطالب الاقتصادية العاجلة. في المحصلة، تكشف الاحتجاجات الإيرانية الراهنة عن مجتمع متنوع في أولوياته وتصوراته، أكثر مما تكشف عن حركة ذات اتجاه واحد. فهم هذا التنوع، لا تجاهله، يبدو شرطًا أساسيًا لأي قراءة واقعية للمشهد، كما أنه قد يشكل مدخلًا لحوار داخلي أكثر عقلانية، يوازن بين البراغماتية الاقتصادية ومتطلبات الإصلاح الأوسع، دون الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب الكلفة.
