خطاب القوة وصناعة الكراهيَّة
د. محمد وهاب عبود
في ميدان السياسة الدولية الراهن حيث تُعزف سيمفونيات القوة والغطرسة والنفوذ، يرتفع اليوم نشاز مقلق، نغمته قرع طبول الحرب وكلماته تهديد ووعيد. إنه خطاب القوة الذي تتبناه قوى عظمى، وفي مقدمتها الإدارة الأميركية، بوصفه حلا ناجعا لكل أزمة ومشروعا لإحلال السلام، متناسية أن العضلات المفتولة لا تبني جسور التفاهم، بقدر ما تهدم ما تبقى من ثقة بين الأمم.لم يعد سراً أن لغة القوة، هذا الشبح الذي يخيم على علاقات الدول هي وصفة جاهزة لكوارث إنسانية. فعندما تُشهر دولة ما، مهما بلغت قوتها، سيف التهديد في وجه أخرى، فإنها لا تستعرض عضلاتها فحسب، بل تزرع بذور الكراهية في تربة العلاقات الدولية. حينها يتحول العالم إلى غابة ليسود قانون البقاء للأقوى هو الطاغي، وتتحول الدبلوماسية التي تعرف بفن الممكن إلى مجرد ترف لا طائل منه. أفلم نتعلم من دروس التاريخ الدامية؟! فالحرب العالمية الأولى التي اندلعت شرارتها بسبب سلسلة من التحالفات العسكرية والغطرسة القومية، خير شاهد على أن القوة العمياء تقود إلى حتف الجميع. إن عقلنة الخطاب السياسي ليست ترفاً فكرياً، وإنما ضرورة قصوى لبقاء الجنس البشري. فبدلاً من أن تكون السياسة الخارجية امتداداً للحرب بوسائل أخرى، كما قال كلاوزفيتز، حريٌّ بها أن تكون فناً لتجنب الحرب بكل الوسائل المتاحة. من هنا تنبع الدبلوماسية كبطل حقيقي، لا كضعف أو تردد. إنها الحوار الهادئ في الغرف المغلقة الذي يمنع الانفجارات الصاخبة في ساحات المعارك. هي القدرة على فهم مصالح الآخر حتى وإن اختلفت مع مصالح الأقوى، والبحث عن تلك المساحة المشتركة التي يمكن للجميع أن يربح فيها. فالتواصل الحقيقي القائم على الاحترام المتبادل من شأنه أن ينزع فتيل الأزمات، لا التلويح بالطائرات الشبح والقنابل الخارقة. الإصرار على منطق “العصا والجزرة” مع التركيز المفرط على العصا، قد أثبت فشله مراراً. فهو يدفع الدول الأضعف أو تلك التي تشعر بالتهديد إلى الدخول في سباق تسلح محموم. فكل صاروخ جديد وكل طائرة مقاتلة متطورة وكل غواصة نووية، هي بمثابة صرخة خوف جديدة تتردد في أرجاء الكوكب، وتزيد من منسوب الكراهية والشك. هذا السباق لا يخلق أمناً، بل ينتج وهماً بالأمن، فكل طرف يسعى لامتلاك القوة التي تضمن تدمير الآخر، وفي هذه المعادلة الصفرية يخسر الجميع. لقد رأينا كيف كادت أزمة الصواريخ الكوبية أن تجر العالم إلى محرقة نووية، ليس بسبب قوة الأسلحة فحسب، بل بسبب غياب الثقة والحوار العقلاني في لحظة حرجة. من خط البداية هذا تبرز جوهر القضية المتمثلة باحترام الشعوب وتاريخها ومصالحها. فكل أمة بغض النظر عن حجمها أو ثروتها أو قوتها العسكرية، هي نتاج تاريخ طويل من التضحيات والأحلام. التعامل معها بفوقية وغطرسة وكأنها مجرد قطعة شطرنج على رقعة جيوسياسية يعد إهانة لذاكرتها الجماعية وكرامتها الإنسانية. قال نيلسون مانديلا “إذا أردت أن تصنع السلام مع عدوك، عليك أن تعمل معه، عندئذ يصبح شريكك”. هذه الشراكة لا يمكن أن تبنى على أساس من الإملاءات والغطرسة. العالم اليوم أحوج ما يكون إلى سياسة أكثر إنسانية مدركة أن القوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على التدمير، بل في القدرة على البناء. بناء جسور من الثقة ومد يد الحوار الصادق والاعتراف بأن مصائرنا كجماعات إنسانية مترابطة بشكل لا فكاك منه. لقد آن الأوان لخفض صوت الاستعلاء ونبرة التهديد، وتغليب صوت العقل ولغة الحوار، فلعل في همسات الدبلوماسية ما ينقذ كوكبنا الساخن بيئيا وأمنيا من صخب القوة وجنونها.
