الصياد آخر الأخبار
مباشر
wb_sunny

خبر عاجل

إصلاح التعليم الجامعي

إصلاح التعليم الجامعي

 

 أ.د. طلال ناظم الزهيري

يشهد العالم اليوم زلزالاً تقنياً لا يمكن تجاهل ارتداداته؛ إنه تسونامي الذكاء الاصطناعي الذي لم يعد مجرد أداة تقنية مساعدة، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة المشهد الكوني بمختلف قطاعاته. ولعل التعليم العالي هو «نقطة الصفر» لهذا التغيير، حيث تقف الجامعات اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما التشبث بنماذج الماضي والتحول بمرور الوقت إلى أطلال أكاديمية، أو إعادة اختراع نفسها لتواكب «الانفجار المعرفي» الجديد. لقد سقطت، وربما إلى الأبد، نظرية «الأستاذ هو المصدر الوحيد للحقيقة»؛ ففي العقود الماضية كانت قيمة الجامعة تكمن في مكتباتها ومقرراتها والأساتذة الذين يملكون مفاتيح المعرفة، أما اليوم، ومع تدفق المعلومات عبر الإنترنت بحجم يفوق الخيال، وظهور تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) القادرة على إعادة تمثيل المعرفة البشرية وتلخيصها وتحليلها في ثوانٍ، أصبح النموذج التعليمي القائم على «التلقين والحفظ» فاقداً لصلاحيته وجدواه.  وإذا نظرنا بعمق إلى واقعنا التعليمي في العراق، نجد أننا لا نزال – في كثير من الأحيان – نعتمد على استراتيجيات تعليمية صُممت لعصر الندرة المعلوماتية، لا لعصر الوفرة؛ إذ لا يزال الطالب يُقيَّم بناءً على قدرته على استرجاع معلومات متاحة بضغطة زر، بينما يغيب التركيز الفعلي على المهارات التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي – حتى الآن – إتقانها بالكامل، مثل التفكير النقدي، والحكم الأخلاقي، والإبداع البشري المعقد. إن الحاجة اليوم ليست لعمليات «ترميم» شكلية للنظام التعليمي، بل لـ»إعادة تصميم» جذرية؛ فنحن بحاجة إلى استراتيجية تعليمية عراقية جديدة تعترف بأن الذكاء الاصطناعي ليس عدواً للنزاهة الأكاديمية، بل أداة قوية يمكنها تحرير الأستاذ والطالب من أعباء المهام الروتينية، ليتفرغوا لما هو أسمى: توليد المعرفة، لا استهلاكها فقط. وقبل الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ، لا بد من التوقف عند جملة من التحديات المحتملة التي قد تعترض مسار هذا التحول.  فمقاومة التغيير داخل بعض المؤسسات الجامعية تمثل عائقاً متوقعاً، لكنها لا تُعالج بالتجاهل أو الفرض، بل بإشراك أعضاء هيئة التدريس في صياغة التحول ومنحهم دوراً فاعلاً فيه. كما أن ضعف البنية التحتية الرقمية في عدد من الجامعات يُعد تحدياً حقيقياً، غير أنه لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتأجيل الإصلاح، بل إلى دافع لاعتماد حلول مرحلية واستثمارات تدريجية موجهة نحو الأولويات التعليمية.  ويبرز أخيراً تحدي تأهيل أعضاء هيئة التدريس للتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تمكين لا تهديداً وظيفياً، وهو ما يستلزم برامج تدريب مؤسسية مستدامة تعيد تعريف دور الأستاذ الجامعي في عصر المعرفة الذكية. إن الاعتراف بهذه التحديات لا يُضعف مشروع الإصلاح، بل يمنحه مصداقية أعلى، ويحوّله من طموح نظري إلى مسار قابل للتنفيذ. ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس في الجامعات العراقية، علينا التفكير في حلول منطقية تخرجنا من دائرة التنظير إلى دائرة الفعل، تبدأ بالانتقال من مفهوم «نقل المعرفة» إلى «إدارة المعرفة». فلم يعد دور الأستاذ الجامعي مقتصراً على إلقاء المحاضرة التي يمكن لتطبيقات مثل  (ChatGPT)  تلخيصها وتقديمها، بل يجب أن يتحول هذا الدور إلى «الميسّر» والموجّه، بحيث تُخصص ساعات المحاضرة للنقاش والتحليل وتفنيد ما تنتجه الآلة، والتحقق من دقة المعلومات وتحيزاتها.  وبالتوازي مع ذلك، لا بد من إحداث ثورة في أساليب التقييم، تتخلص فيها جامعاتنا تدريجياً من الامتحانات التحريرية القائمة على الحفظ والاسترجاع، لتُستبدل بالامتحانات الشفهية والمناقشات الحية التي تقيس الفهم الحقيقي، فضلاً عن المشاريع التطبيقية التي يُطلب فيها من الطالب استخدام الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام، ثم تقييمه على كيفية استخدامه للأداة، وعلى النقد الذي يوجهه لمخرجاتها، لا على النتيجة النهائية وحدها.  ولا يكتمل هذا التصور دون توطين الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية؛ فلا يكفي إضافة مادة هامشية باسم «مبادئ الحاسوب»، بل يجب دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في صلب التخصصات الدقيقة. فيتعلم طالب الطب كيف يوظف الأنظمة الخبيرة في التشخيص، ويتدرب طالب القانون على استخدام الخوارزميات في تحليل القضايا، لنضمن تخريج جيل «مُعزز بالذكاء الاصطناعي»، لا جيلاً ينافس الآلة في الميدان الذي تتفوق فيه. وعلى المستوى الاستراتيجي، يجدر بوزارة التعليم العالي التوجه نحو إنشاء «بنك المعرفة العراقي الرقمي»، فبدلاً من الاعتماد الكلي على المصادر الأجنبية، ينبغي بناء قواعد بيانات رقمية للأطروحات والبحوث العراقية، وتدريب نماذج ذكاء اصطناعي وطنية تستوعب السياق المحلي والثقافي العراقي، لتكون مرجعاً موثوقاً للطلاب والباحثين. خلاصة القول، إن إعادة تصميم النظام التعليمي في ضوء معطيات الذكاء الاصطناعي ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لمستقبل العراق. إننا نملك العقول، ونملك الطاقات الشابة، وما ينقصنا هو الجرأة في اتخاذ القرار للتخلي عن أساليب الماضي. فدعونا لا نحارب التكنولوجيا في قاعات الدرس، بل نُطوّعها لبناء جيل عراقي لا يكتفي باستهلاك المعرفة، بل يساهم بفاعلية في صناعتها وهندستها.

Tags

المتابعة عبر البريد

اشترك في القائمة البريدية الخاصة بنا للتوصل بكل الاخبار الحصرية